!قصة سكان جبل أيغود...كما لم تعرفها من قبل



يُحكى أن مجموعة من البشر مكوّنة من خمسة أفراد، بينهم مراهق وطفل بالثامنة، كانت تمشي في مكان ما بالقرب من جبل إيغود والذي يقع على مسافة مائة كيلومتر غرب مراكش، بالمغرب، ثم وجدت تلك المجموعة كهفاً يبدو مثاليًا للاختباء من حرارة أو برودة الطقس، فذهب الأفراد الخمسة للكهف، وجهّزوا أنفسهم لقضاء ليلة أو عدة ليالٍ هناك، ثم شحذوا سنان أسلحتهم وجهّزوها، خرج البعض منهم للصيد وعاد بالفعل ربما بغزالة فأكلوا وناموا، ولسبب ما لا نعرفه؛ ماتوا جميعًا في ذلك الكهف، تحتوي تلك الحكاية على الكثير من الأسرار للأسف، وذلك لأنها حدثت قبل 300 ألف عام!

قبل أيام قليلة كان كل ما نعرفه عن البشر الأوائل من النوع "هوموسابيان" (Homo sapiens)، أو الإنسان العاقل، أجداد البشر الحاليين والنوع الوحيد الغير منقرض من جنس الهومو، هو أنه ظهر قبل حوالي مائتي ألف عام في مكان ما بالقرب من الأخدود الأفريقي العظيم*، لكن ذلك كله تغيّر أوّل أمس حينما نشرت(1) دورية "نيتشر" (Nature) الشهيرة ورقة بحثيّة عن كشف جديد غاية في الأهمية يدفع وجود البشر مائة ألف عام إضافية للخلف.

حيث وجد الفريق البحثي بقيادة "جان جاك هابلين"(2) (Jean-Jacques Hublin) من مؤسسة ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية ما يُعتبر إلى الآن أقدم حفرية ممكنة للبشر من الهوموسابيان، والذي اكتشف الفريق أنه عاش قبل ثلاثمائة ألف سنة، في منطقة بعيدة تمامًا عن التوقعات، وهي كما ذكرنا منذ قليل، جبل إيغود (Jebel Irhoud) بالمغرب.
     
موضع الكشف عن الحفريات الجديدة (نيتشر)
    
رحلة طويلة
كانت زيارة هابلين الأولى في أوائل التسعينيات لجبل إيغود بغرض تأريخ المنطقة عبر تقنيات أحدث من المستخدمة سابقًا، ولم يحصل على التمويل حتى عام 2004 حينما انضم لمؤسسة بلانك وبدأ في رفع مائتي متر مربع من الصخور عن كهف مغلق، ثم بعد ذلك بعدة سنوات وجد الفريق 20 حفرية لعظام حوالي خمسة أشخاص، منهم طفل يرجح أنه بعمر الثامنة ومراهق.
   
بعض الحفريات المكتشفة في جبل إيغود (نيتشر)
 
ضمّت مجموعة الحفريات فكَّاً سُفليَّاً كاملاً، وقِطَعَاً من الجمجمة وأدوات صخرية ودلائل على استخدام النار، ثم بعد تأريخ عمر تلك الحفريات باستخدام تقنيات تعتمد على ما يسمّى بظاهرة التألق الحراري (Thermoluminescence)، تبيّن أنها تقع في نطاق زمني قبل 280 - 350 ألف سنة، بمتوسط 315 ألف سنة، وهو يعني أنها أقدم حفرية استطعنا الحصول عليها لأجدادنا من الهوموسابيان.

كذلك أشارت تلك الأدوات الصخرية المكتشفة وأدلة استخدام النار إلى تبعيتها للعصر الحجري المتوسط بأفريقيا والتي امتدت حول ما يقرب من زمن يقدر بـ 300 ألف عام في الماضي، تلك الفترة من تاريخنا يمكن تمييزها عن سابقتها باستخدام البشر أدوات أصغر في الحجم وأكثر خفّة في الوزن، لكن استخدام البشر للأدوات الصخرية في العموم ربما يرجع إلى ثلاثة ملايين من الأعوام، نعم، لقد بدأت التكنولوجيا رحلتها إلينا قبل وقت طويل جدا.

في كل الأحوال تشير الحفريات الخاصة بالأدوات إلى نقطة أخرى هامة، وهي أن تلك المجموعة المكوّنة من خمسة أفراد لم تصنع الأدوات من صخور تلك المنطقة، حيث لا يوجد مصدر قريب منها لصخور الصوان، وهو من أوائل المواد التي استخدمها البشر لصناعة أدواتهم، نظرا لقساوته وإمكانية صنع حروف حادة منه، ما يعني أنهم جاءوا بأدواتهم.
   
بعض الأدوات المكتشفة للبشر الاوائل في جبل إيغود، لاحظ صغر حجمها مقارنة بالمقياس الأسفل (MPI EVA Leipzig)
 
كانت الحفريات الجديدة هي إذن خلاصة مشروع بحثي طويل لم يكن الغرض منه هو كشفها في الأساس، ما يلفت الانتباه هنا هو تشابه ملامح الوجه بها مع ملامح البشر الحاليين بدرجة كبيرة، فقط مع حاجبين أكثر بروزًا، حتى أنك إن رأيت أحدهم يمشي في الشارع بيننا اليوم ربما لا تتمكن من فصله عن البشر العاديين، لكن فقط إن كان يرتدي قبّعة، ذلك لأنه إن خلعها سوف تبدو جمجمته ممدودة للخلف بدرجة أكبر وأكثر وضوحًا وتميل من حيث التركيب التشريحي إلى الإنسان البدائي أكثر من الهوموسابيان في مراحل متقدمة من تطوره.

تطور البشر
إعادة بناء للوجه البشري من بقايا الحفريات التي وجدها الفريق البحثي في جبل إيغود (نيتشر)
 
وبذلك تظهر الحفريات الجديدة أن وجوه البشر تطورت للشكل الحالي قبل أمخاخهم التي ظلت بدائية التصميم، يعني ذلك - بتعبير هابلين لتقرير مجلة نيتشر
(3)- أن هناك أجزاءً من الجسم تطورت بمعدلات أسرع من أخرى، ويتفق ذلك مع توقعات سابقة، حيث أن حفريات أسلاف النياندرتال التي ترجع لتاريخ يقترب من 400 ألف سنة هي الأخرى قد استقلت نفس خط السير فطوّرت ملامح وجه النياندرتال مع جمجمة بدائية.

يعني ذلك إذن أننا ربما احتجنا لكل تلك الفترة، الـ 300 ألف سنة السابقة، ليس لتطوير أشكال وجوهنا التي بقت تقريبا كما هي، ولكن لتطوير أمخاخنا ووصلات خلاياها بحيث تصل إلى التركيب المتشعب المتعقد الذي نعرفه الآن، هنا قد نحتاج أن نوضح أن كِبر حجم المخ لا يُقارن بأهمية عدد الوصلات بين خلاياه، فمخ الحوت مثلا يبلغ وزنه سبعة كيلوغرامات بينما مخ الإنسان لا يصل حتى إلى رُبع تلك القيمة، لكن عدد الوصلات بين خلايا مخ البشر الحاليين أكبر بكثير، في النهاية لا يزال السؤال المطروح هو "لماذا حدث ذلك؟"، ما الذي دفع الانتخاب الطبيعي للعمل على ملامح الوجه قبل المخ؟

في الحقيقة لم يكن ذلك الاكتشاف مفاجئًا بالصورة المفهومة للوهلة الأولى، حيث رجّح علماء الوراثة من قبل عبر مقارنة الجينوم البشري الحالي بالجينوم الخاص برفيقه من النياندرتال (Homo neanderthalensis) ، أن نقطة الانفصال بين الهوموسابيان والنياندرتال قد حدثت قبل ما يقرب من 500 ألف سنة، حيث كان سلفهما المشترك ربما هو ما ندعوه "إنسان هايدلبيرغ" (Homo heidelbergensis)، ليسير كل منهم في خط تطوّري مختلف، كان ما ننتظره إذن هو أن تظهر حفرية لتوضح أن الإنسان العاقل -الهوموسابيان- عاش بالفعل في فترة ما قبل مائتي ألف سنة، ويعني ذلك أن هناك ربما فرصة لاكتشاف حفريات لبشر من الهوموسابيان عاشوا قبل 400 أو ربما 500 ألف سنة أيضًا.
   
إلى اليمين يظهر البشر من الهوموسابيان بشكلهم الحالي، إلى اليسار البشر من الهوموسابيان الأول الذي اُكتشف في جبل إيغود، لاحظ تشابه ملامح الوجه، لكن بالنسبة للجمجمة فتبدو ممتدة بشكل أوضح - نيتشر
   
تفتح النقطة الأخيرة عن المسافة التطورية بين إنسان هايدلبيرغ والإنسان الحالي تساؤلًا طالما حيّر الباحثين، فالحفريات بينهما غاية في الندرة، بينما مثلا أمكن أن نجد حفريات للنياندرتال قبل 250 ألف سنة، في المنتصف بين هايدلبرغ والآن، كانت أقدم حفرية نعرفها للهوموسابيان عند 195 ألف سنة في موقع أومو كيبيش بأثيوبيا، بينما بقت المسافة بعد ذلك فارغة، لكن الآن تستطيع حفريات جبل إيغود إضافة حلقة جديدة في منطقة متوسطة عند 300 ألف سنة، مما يسهّل على الباحثين دراسة تطور الإنسان في تلك المرحلة وبحث إن كان تدريجيًا أم لا.

أنسان جيل أيغود هو أقدم أنسان عاقل حديث في القارة الافريقية ويزيح شرق افريقيا وغيرها من لقب "مهد البشرية"


ماذا بعد؟
جدير بالذكر أن البحث لا يقول أن المغرب هي مهد البشرية، بل فقط يوضح أن البشر الأوائل من الهوموسابيان قد انتشروا(4) بالفعل في أفريقيا قبل 300 ألف سنة، بعد أن كان معروفًا أن حدود وجودهم في تلك الفترة تقع أسفل الصحراء الكبرى، وتلك نقطة مفصلية في أهمية ذلك البحث الجديد، فقبل ذلك الكشف لم يكن من المتصور أن يصل الهوموسابيان لتغطية تلك المساحة من القارة، ويقترح ذلك أن أفريقيا بالكامل كانت خضراء في تلك الفترة، مليئة بالبحيرات والأنهار، وتسمح بالارتحال بين أجزائها، حتى أن حيوانات أفريقيا في تلك الفترة من الغزلان والأسود والحمير الوحشية وغيرها وجد لها كذلك حفريات قرب منطقة جبل إيغود.

عاش أجدادنا إذن قبل 300 ألف سنة بالقرب منّا، وربما سوف يغير ذلك الكثير من تصوراتنا عن الحفريات السابقة، عن البشر الأوائل وتوزيعاتهم الجغرافية وبيولوجيا أجسامهم وتطورهم، كذلك سوف نحتاج أن نضيف بعض التغييرات إلى مراجع طلبة الجامعات التي طالما صرّحت عن 200 ألف سنة في أكثر من جانب، سوف توضع بها صور حفريات جديدة، وجداول بيانات جديدة، وسوف تكون منطقة جبل إيغود هي قبلة للمزيد من الباحثين، هكذا هو العلم، في تغيّر دائم، وذلك هو ربما سر قوّته.

أناسين من بشريات بدائية و أنسان جبل أيغود العاقل في خارطة التواجد في أفريقيا



في الحقيقة تواجه تلك النوعية من الأبحاث عددا كبيرًا من المشكلات، فحفريات البشر نادرة الوجود، وقد عاشت الكثير من الأنواع البشرية الأولى بشكل متداخل مما يجعله من الصعب علينا أن نفصل بينهم تاريخيًا أو أن نقسمهم بشكل شجري واضح، كما أن الأمر -كما ترى- ربما يحتاج للكثر من الوقت، والحفريات القديمة -كحفريات هذه الدراسة- لا يوجد بها حمض نووي (DNA) حتى يحقق لنا كشفًا أكثر دقة، لذلك يبدو أن علينا الانتظار لفترة طويلة ربما قبل أن نتقصى أصولنا الحقيقية، لكن ربما يومًا ما قد نجيب على السؤال المهم: من نحن؟
  
 ------------------------------------------------
  
الهوامش:
*تشير لذلك حفرية أم كبيش قبل 195 ألف سنة وحفرية هيرتو قبل 165 ألف سنة، وكلاهما بإثيوبيا.



Commentaires